عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
216
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
لما يرجون عنده من الرغائب ، صحبوا الدنيا بالأشجان وتنعموا فيها بطول الأحزان ، فما نظروا إليها بعين راغب ، وما تزودوا منها إلا كزاد الراكب ؟ خافوا البيات فأسرعوا ، ورجوا النجاة فأزمعوا ، وبذلوا مهج نفوسهم في رضا سيدهم ، ونصبوا الآخرة نصب أعينهم ، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم ، فلو رأيتم لرأيت قوما ذبلا شفاههم خمصا بطونهم ، حزينة قلوبهم ، ناحلة أجسادهم ، باكية أعينهم ، لم يصحبوا التعليل والتسويف ، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف ، لبسوا من اللباس أطمارا بالية ، وسكنوا من البلاد قفرا خالية ، هربوا من الأوطان ، واستبدلوا الوحدة من الأخدان ، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر ، وفصل أعضاءهم بخناجر التعب ، خمص البطون لطول السرى ، شعث الرؤوس لفقد الكرى ، قد وصلوا الكلال بالكلال ، وتأهبوا للنقلة والارتحال ، رضى اللّه عنهم ، ونفعنا بهم آمين * قلت : وفي مثل هؤلاء الرجال أحسن الذي قال : أنت بالصدق قد خبرت رجالا * قد أطالوا البكا إذا الليل طالا وملأت القلوب منهم بنور * من نفيس اليقين يا من تعالى وتوليتهم فكنت دليلا * وكسوت الجميع منهم جمالا فإذا ما الظلام جن عليهم * وصلوا بالكلال منهم كلالا عفروا بالتراب منهم وجوها * ذاك للّه خشية وابتهالا هجرت للمنام منهم عيون * فاستطار المنام عنهم وزالا إنما لذة البكا لمريد * أسلم الأهل والديار وجالا خاضعا باكيا حزينا ينادى * يا كريما إذا استقيل أقالا ( الحكاية الثانية والعشرون بعد المئتين : عن سعيد بن أبي عروبة رضي اللّه عنه ) قال : حج الحجاج بن يوسف الثقفي فنزل في بعض المياه بين مكة والمدينة ، ودعا بالغداء وقال لحاجبه : انظر لي من يتغدى معي وأسأله عن بعض الأمر ، فنظر نحو الجبل فإذا هو بأعرابى بين شملتين نائم ، فضربه برجله وقال : ائت الأمير ، فأتاه فقال له الحجاج : اغسل يدك وتغد معي ، فقال : إنه قد دعاني من هو خير منك فأجبته ، قال ومن هو ؟ قال : اللّه تبارك وتعالى دعاني إلى الصوم فصمت ،